الدكتور جوزيف الياس

فهرس: صفحة المدخل     سبرة علميّة       ملاحق     صور المؤلفات العامّة     صور الكتب المدرسيّة     مقالات جديدة    للاتصال بنا




"أقرب شيء إلى الديمقراطيّة..."




عطفاً على ما جاء في مقالتي التي نُشِرت في "النّهار"، يوم الأوّل من نيسان ۲۰۱۲، تحت عنوان "معذرةً صاحب الغبطة"، والتي كان محورها الرّد على قول البطريرك المارونيّ بشارة الراعي "أقرب شيء إلى الديموقراطيّة هو سوريا"، وتعقيباً على قول العماد ميشال عون، يوم ۵ أيّار ۲۰۱۲، "سوريا أقرب شيء إلى الديموقراطيّة..."، أقول ما يلي: ۱- لقد تدارَكَ البطريرك الراعي، يومَ عودته من تركيا (السبت ۳۱/۳/۲۰۱۲)، ما جاء في جملته التي اعترضتُ على مضمونها واقترحتُ بديلاً منها، فقال إنّه عنى بكلامه الشعب السوريّ وليس نظام الحكم. وهذا ما تمنيّتُ قوله منذ البداية، وقبل أن أكتب ما كتبتُ.

۲- وقع العماد ميشال عون في الخطأ نفسه، إذ قال في لحظة انفعال "سوريا هي الأقرب إلى الديموقراطيّة من دون خجل...". وهو بذلك لجأ إلى التعميم لا التخصيص، فقدَّمَ الديموقراطيّة في سوريا على الديموقراطيّة في لبنان أوّلاً، وفي العالم العربيّ ثانياً، وفي العالم كلّه ثالثاً. وإن يكن ثمَّة من سبب لهذا القول، فما له من سببٍ غير الانفعاليّة التي جاوزت حدود المعقول. فلو كان العماد عون هادئاً، أو بعيداً من الانفعال، أو كان يَزِن كلّ كلمة يقول، لَوَجَب عليه القول "إنّ الشعبَيْن اللبنانيّ والسوريّ أقرب الشعوب العربيّة إلى الديموقراطيّة"، أو "أقرب الشعوب العربيّة إلى الديموقراطيّة الشعبان اللبنانيّ والسوريّ". وهذا، يا دولة الرئيس، ليس مِنّةً من أحد، وليس هديّة نظام حكمٍ بعينه، فهو في صميم ما قام عليه المجتمع السوريّ منذ نشأت الجمهوريّة، وطوال عهدَي الانتداب والاستقلال. فهل سبق لك أن قرأت تاريخ سورية الحديث؟ فإن لم تقرأ التاريخ، يا دولة الرئيس، فاقرأْه، فلم يفتِ الأوان بعد. وأنا، إذ أقول ما أقول، لست منحازاً إلى أحد، ولست مرتهناً لهذا الفريق أو ذاك؛ وإنّما انحيازي إلى ما بين يديّ من صفحات التاريخ. فأنا معنيٌّ بتاريخ سورية الحديث والمعاصر في ما يزيد على قرن، أي من منتصَف القرن التاسعَ عَشَرَ إلى ما بعد منتَصَف القرن العشرين.

۳- أمّا المهندس الشابّ الذي ما فَتِئ يردّد كلمة "التكفيريّين" ويبشِّر بحكم التكفيريّين في سورية، لأنّ أهل السنّة في سورية تكفيريّون في نظره أو بحسب رأيه، فخير ما أقول له (وخير الكلام ما قلّ ودلّ): يومَ سقطت "الدولة المدنيّة التعدُّديّة" التي كان اسمها قبل الوحدة (السوريّة المصريّة) "الجمهوريّة السوريّة"، فجر الثامن من آذار ۱۹٦۳، لم تكن قد وُلِدْتَ يا هذا! وإذا كان ثمَّةَ تكفيريّون في سورية اليوم، فقد أُحدِّثك، في مقالة لاحقة، عن العوامل التي مهَّدت، وَفقَ تَصَوُّري، لنُشوء ظاهرة التكفير، وعَمَّن كان السبب في وجود هؤلاء في المجتمع السوريّ. فاعتدل يا هذا! وزِنْ كلامك، وتذكَّر دَوْماً أنّ خير الكلام ما قلَّ ودلَّ.


النّهار: العدد 24804، 29/7/2012

 

جميع حقوق النشر محفوظة dr.josephelias.com