الدكتور جوزيف الياس

فهرس: صفحة المدخل     سبرة علميّة       ملاحق     صور المؤلفات العامّة     صور الكتب المدرسيّة     مقالات جديدة    للاتصال بنا




تدارُك الأخطاء الشائعة




عرفت صديقي اللواء الركن ياسين سويد ضابطًا متخرِّجًا في كلّيّة الأركان متضلّعًا من العلوم العسكريّة، وعرفته حائزًا شهادة الدكتوراه في التاريخ ومؤرّخًا يكتب في تاريخ لبنان عبر الأجيال. لكنْ، ما عرفته وما حسبته يومًا لغويًّا متخصّصًا يصدر الفتاوى في صرف العربية ونحوها. فقد قرأت مقالته التي نُشِرت في "النهار"، يوم 11 كانون الأوّل 2008 بعنوان "أخطاء شائعة يجب تداركها"، فأدهشني بعض ما فيها وأحزنني بعضه الآخر. ولمّا كان اللواء سويد قد جعل مقالته في تسع فقر مرقّمة، سهل علينا تتبّع لغويّاته واحدة واحدة:

1- يبدأ اللواء سويد مسألته الأولى بما بين "التقييم والتقويم" من فروق أو فوارق، مستندًا في الرأي أو الحكم إلى قولٍ لشيخنا الراحل عبد الله العلايلي، وفيه أنّ أصل "قيمة" هو "قِوْمة"، ثمّ قُلِبت الواو ياءً للثقل فقيل "قيمة". لذا كان لا بدّ من استعمال "التقييم" بدل "التقويم" للحكم على أثر أدبيّ أو نحوه؛ ويبقى معنى هذه الأخيرة محصورًا في إزالة الاعوجاج من الشيء. وفي أوجز الوجيز أقول لشيخنا الراحل – رَحِمَهُ الله – وللواء سويد أطال الله عمره: الجذر الثلاثيّ المعروف في العربيّة هو "ق و م"، ولو كان ثمّة جذر آخر من الأحرف "ق ي م" لما أصدر مجمع اللغة العربيّة في القاهرة قرارًا باعتماد الفعل "قَيَّمَ تَقييمًا" بمعنى بيان القيمة. وقد كان صدور هذا القرار في الجلسة الثامنة من جلسات دورته الرابعة والثلاثين سنة 1968. وأذكر أخيرًا أنّني قرأت في حاشية مقالةٍ نُشِرت في "النهار" يوم 5 حزيران 2007 إصرار اللواء سويد على استعمال كلمة "التقييم" بدلاً من "التقويم".

2- وينصرف اللواء سويد، في المسألة الثانية، إلى الكلام على "الخريطة والخارطة"، فيرفض الأولى ويجيز الثانية، مستندًا في حكمه إلى ما جاء في معجم "محيط المحيط"، وهو أنّ "الخارطة" من الكلمة اللاتينيّة "كارتا"؛ أمّا "الخريطة" فهي وعاء من أَدَم (جلد) وغيره يُشَدّ على ما فيه. وبما أنّ اللواء ليس من أهل الاختصاص، كان من الطبيعيّ أن يجهل قاعدة تعريب اللفظ الأجنبيّ. فـ"الخريطة" في العربيّة جاءت من الأصل الثلاثيّ "خرط"، ولها معناها المعجميّ، وما من رابط يربطها بـ"الخارطة والخريطة" اللتَيْن هما تعريب الكلمة الأجنبية "كارت أو كارتا". فلكَ أن تستعمل الكلمتين على حدّ سواء، فتجمع الأولى على "خَوارِط" والثانية على "خرائط". وهنا التبس المعنى على اللواء، فخلط بين الأَدَم (الجلد) والإدام. 3- وفي المسألة الثالثة، التفت اللواء سويد إلى كلمة "نفس" التي لا تُضاف إلى الاسم، وإنّما تأتي بعده (الكلام له، لم يذكر أنّها توكيد)، فأدهشني أنّه لم يأتِ على ذكر كلمة "عَين"، وهي مثل "نَفس" في المعنى والاستعمال، فهما تؤدّيان وظيفةً واحدة، فيُؤكَّد الاسم بهما توكيدًا معنويًّا. وبدلاً من ذلك، رأيناه يُقحِم كلمة "ذات" وينسب إليها الدور نفسه، وهذه لم ترد يومًا بين ألفاظ التوكيد المعنويّ. لذا رفضها معظم اللغويّين، وأجاز بعضهم إعرابها نعتًا حين تلي الاسم.

4- وتحت عنوان "الهامَّة والمهمَّة" في الفقرة الرابعة، لم يُفصح اللواء سويد عمّا يريد، بل رأيناه يتحدّث عن "الهَوامّ"، وينقل عن المعاجم بعض ما فيها من شروح. وللتسهيل على اللواء أقول له إنّ "الهامَّ" هو اسم الفاعل من "هَمَّ" ويُؤَنَّث على "هامَّة"، و"المُهِمّ" هو اسم الفاعل من "أَهَمَّ" ويُؤَنَّث على "مُهِمَّة". فـ"الهامُّ والمُهِمُّ" يفيدان معنًى واحدًا تقريبًا، ويُعنَى بهما ما كان ذا أهمِّيَّة، واستعمال اللفظة الأخيرة أَوْلى. أمّا "المُهِمَّة" فهي مُؤنَّث "المُهِمّ"، وهي أيضًا ما يُرسَل فيه المرء لإبلاغ أمر أو لنقل رسالة. 5- وحين تحدَّث اللواء سويد، في المسألة الخامسة، عن الفعلين "تَوَفَّر وتَوافَرَ"، رأيته عاجزًا عن وزن كلّ منهما، إذ كتبَ حرفيًّا: يُقال: "يوفر عليه توافرًا (التَوافُر مصدر الفعل تَوافَرَ): أي رعى حرماته وصرف إليه همّه". وهذا ليس معنى "تَوَفَّر" الذي ذكره اللواء في صدر الفقرة الخامسة. فمن الثلاثيّ "وَفَرَ" نقول "وَفَرَ يَفِرُ العِرْض أو نحوه وَفْرًا أي صانَهُ وحَماهُ"، ومن المزيد "تَوَفَّرَ" نقول " تَوَفَّرَ تَوَفُّرًا على الأمر أي صرف إليه همّته". أمّا الفعل الذي يقصده اللواء فهو الفعل "تَوافَرَ"، وفيه نقول "تَوافَرَ الشيءُ تَوافرًا أي تكاثَرَ أو وُجِد بكثرة".

6- وفي المسألة السادسة، يلتفت اللواء إلى غلط الحركة في كلمة "أَزْمة" التي يُلفَظ بها "أَزَمَة"، وهذا ما يقع فيه إعلاميّ المرئيّ والمسموع. والصواب هو "أَزْمَة" (بتسكين الزاي)، لكنّ اللواء لا يقبل لها جمعًا غير جمع التكسير "إِزَم". وقد عذرنا اللواء لأنّه لم يدرس العربيّة دراسة متخصّص، ولم يمارس تدريسها في مدرسة أو جامعة، ففاته أنّ كلَّ اسمَ خُتِم بتاء التأنيث المربوطة يقبل أن يُجمَع جمع مؤنّثٍ سالمًا (شذّ ستّة أسماء). فـ"الأَزْمَة" إذًا هي في الجمع "إِزَم وأَزَمات". وهنا أسأل الصديق ياسين: أَلَم تسمع، يا "جنرال"، من عجائب الإعلاميّين غير فتح "الزاي" في "الأَزْمة"، ولك منهم كلّ يوم ما يعتصر القلب اعتصارًا؟ هذا ترف منك يا صديقي! 7- وفي المسألة السابعة، شُغِل اللواء بما بين "المُواطَنَة والمُواطِنيَّة" من اختلاف، فقَبِل الأولى ورفض الثانية، وهو مصيب في ذلك إلى حدّ ما. فالمُواطَنة مصدر الفعل "واطَنَ"، والمُواطِنيَّة مصدر صناعيّ وصفة للمواطن، وكلتاهما من اللفظ المُحدَث الذي لم يرد من المعجمات العربيّة القديمة.

8- وحين وصل اللواء، في المسألة الثامنة، إلى الفعل الناقص "كادَ"، رفض اقتران خبره بـ"أن"، وعدّ مَن يقرنه بها مخطئًا. ويُعذَر اللواء للأسباب التي ذكرنا قبلاً؛ فقد أجمع النحويّون على أنّ كِلا الوجهَيْن جائز، فلكَ أن تقول "كاد المطرُ يهطِلُ وكاد المطرُ أن يهطِلَ". 9- ومع كلمة "كافَّة" كانت بِدعة اللواء في مسألته التاسعة. فقد بدأ مع أهل اللغة رافضًا إضافتها، لكنّه عجز عن تحديد وظيفتها الإعرابيّة. ودليل جهله إيّاها، وجهله موقعها الإعرابيّ، أنّه جعلها "مبنيّةً على الفتح، لا محلَّ لها من الإعراب"؛ وهي في الواقع منوّنة تنوين الفتح منصوبة على الحاليّة. فهل حسب اللواء أنّ تنوين الفتح هو علامة بناء؟ إنّه لأَمرٌ محزن يا صديقي!

تحيّة للدكتور في العلوم العسكريّة، وتحيّة للدكتور في التاريخ. بقي أن أحيّي اللغويّ الجديد، وما أكثر اللغويّين في أيّامنا هذه!

النّهار: العدد 23594، 27/1/2009

 

جميع حقوق النشر محفوظة dr.josephelias.com